ابن الجوزي
100
صفة الصفوة
قال عبيد بن عبد القاهر : قال أبو يزيد ، غبت عن اللّه عزّ وجل ثلاثين سنة وكانت غيبتي عنه ذكري إياه ، فلما خنست « 1 » عنه وجدته في كل حال : فقال له رجل : ما لك لا تسافر ؟ قال : لأن صاحبي لا يسافر ، وأنا معه مقيم . فقال السائل : إن الماء القائم « 2 » قد كره الوضوء منه . فقال أبو يزيد : لم يروا بماء البحر بأسا ، هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته . ثم قال : قد ترى الأنهار تجري لها دويّ وخرير حتى إذا دنت من البحر وامتزجت به سكن خريرها وحدتها ولم يحسّ بها ماء البحر ، ولا ظهرت فيه زيادة ، ولا إن خرجت منه استبان فيه . قاسم الحداد قال : خرج أبو يزيد البسطامي في بعض سياحته فوقف على دجلة فالتقى به الشيطان فحوّل وجهه ثم قال : وعزّتك إنّك تعلم أني ما عبدتك قطّ لهذا ، فلا تحجبني به عنك . عبد الصمد بن محمد عن أبي يزيد أنه صعد ليلة سور بسطام فلم يزل يدور على السّور إلى وقت طلوع الفجر ، يريد أن يقول لا إله إلا اللّه فيغلبه ما يريد عليه من هيبة الاسم فلا يستطيع أن يطلق بها لسانه ، فلما كان وقت طلوع الفجر نزل فبال الدم . الحسن بن علوية قال : قال أبو يزيد : قعدت ليلة في محرابي فمددت رجلي فهتف بي هاتف من يجالس الملوك فينبغي أن يجالسهم بحسن الأدب . الحسن بن علي قال : قال أبو يزيد : أبعد الخلق من اللّه أكثرهم إشارة إليه . عبيد قال : قال أبو يزيد طلّقت الدنيا ثلاثا بتاتا لا رجعة لي فيها ، وصرت إلى ربّي وحدي فناديته بالاستغاثة : إلهي أدعوك دعاء من لم يبق له غيرك . فلما عرف صدق العداء من قلبي ، والياس من نفسي ، كان أوّل ما ورد عليّ من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكلية ونصب الخلائق بين يديّ مع إعراضي عنهم . أبو الحسن المروزي قال : سمعت امرأة أبي يزيد تقول : سمعت أبا يزيد
--> ( 1 ) خنس عنه : تأخر وبابه دخل وأخنسه غيره أي خلفه ومضى عنه والخناس الشيطان لأنه يخنس إذا ذكر اللّه عزّ وجل . ( 2 ) أي الساكن الهادئ .